القانون هو أسمى تعبير عن إرادة الأمة. Test link

إصلاح مدونة الأسرة - بين المطالب المجتمعية والتحفظات -

 


إصلاح مدونة الأسرة - بين المطالب المجتمعية والتحفظات - 

مقدمة 

تعتبر الأسرة الخلية الأساسية في المجتمع، لما تضطلع به من أدوار حيوية في التنشئة الاجتماعية وتحقيق الاستقرار والتماسك المجتمعي، وهو ما جعل المشرع المغربي يوليها عناية خاصة من خلال إقرار إطار قانوني ينظم العلاقات الأسرية ويحدد الحقوق والواجبات بين أفرادها. وفي هذا السياق، جاءت مدونة الأسرة لسنة 2004 كإصلاح تشريعي عميق شكل نقلة نوعية في مجال الأحوال الشخصية، حيث سعت إلى تحقيق توازن دقيق بين المرجعية الإسلامية ومتطلبات العصر، من خلال تكريس مبادئ المساواة والعدل وحماية حقوق المرأة والطفل.

غير أن التطبيق العملي لمقتضيات مدونة الأسرة، على امتداد ما يقارب عقدين من الزمن، أفرز مجموعة من الإشكالات القانونية والعملية، سواء على مستوى النصوص أو على مستوى الممارسة القضائية، مما أدى إلى بروز نقاش مجتمعي واسع حول ضرورة مراجعتها وتحيينها بما يستجيب للتحولات الاجتماعية والاقتصادية والثقافية التي يعرفها المجتمع المغربي. فقد أصبحت بعض المقتضيات، في نظر فئات واسعة من الفاعلين، غير قادرة على مواكبة الواقع، خاصة فيما يتعلق بقضايا مثل زواج القاصرين، والتعدد، والطلاق، والحضانة، والنفقة، وكذا النظام المالي للزوجين.

وفي مقابل هذه المطالب الإصلاحية، برزت تحفظات قوية من طرف بعض التيارات، التي ترى في تعديل مدونة الأسرة مساسا بالثوابت الدينية والهوية الثقافية للمجتمع المغربي، وتدعو إلى ضرورة الحفاظ على المرجعية الإسلامية باعتبارها الإطار المؤطر للعلاقات الأسرية، مع الحذر من أي انزلاق نحو نماذج قانونية مستوردة قد لا تنسجم مع الخصوصية الوطنية.

وأمام هذا التفاعل بين مطالب التحديث والتحفظات المرتبطة بالهوية، يجد المشرع المغربي نفسه أمام معادلة دقيقة تقتضي تحقيق التوازن بين الانفتاح على القيم الكونية لحقوق الإنسان، واحترام الخصوصية الدينية والاجتماعية للمجتمع. وهو ما يجعل إصلاح مدونة الأسرة ليس مجرد تعديل قانوني تقني، بل ورشا مجتمعيا شاملا يستدعي إشراك مختلف الفاعلين، من مؤسسات دستورية وهيئات مدنية وفقهية، من أجل بلورة تصور متكامل يحقق العدالة الأسرية ويحافظ على استقرار المجتمع.

وعليه، يطرح هذا الموضوع إشكالية محورية مفادها:
إلى أي حد يمكن تحقيق إصلاح مدونة الأسرة في المغرب بشكل يستجيب للمطالب المجتمعية، دون المساس بالثوابت الدينية والهوية الثقافية؟

ولمعالجة هذه الإشكالية، يمكن اعتماد التصميم التالي:

 المبحث الأول: المطالب المجتمعية لإصلاح مدونة الأسرة

 المبحث الثاني: التحفظات والتحديات التي تواجه الإصلاح

 المبحث الأول: المطالب المجتمعية لإصلاح مدونة الأسرة

أفرز التطبيق العملي لمدونة الأسرة منذ دخولها حيز التنفيذ سنة 2004 مجموعة من التحولات العميقة في بنية العلاقات الأسرية بالمغرب، كما كشف في الآن ذاته عن عدد من الاختلالات والإشكالات التي أضحت تطرح بإلحاح على مستوى الواقع الاجتماعي والقضائي. وقد ساهمت هذه الوضعية في بروز دينامية مجتمعية متنامية، قادتها مختلف الفعاليات الحقوقية والمدنية، إلى جانب الباحثين والمهتمين، للمطالبة بضرورة مراجعة عدد من مقتضيات المدونة بما ينسجم مع التحولات التي يعرفها المجتمع المغربي.

وتستند هذه المطالب الإصلاحية إلى جملة من الاعتبارات، لعل أبرزها التحولات الاجتماعية والاقتصادية التي مست بنية الأسرة، حيث لم تعد العلاقات الأسرية تقوم على نفس الأسس التقليدية، بل أصبحت أكثر تعقيدا بفعل تغير أدوار كل من الرجل والمرأة داخل الأسرة، وتزايد مشاركة المرأة في سوق الشغل، وارتفاع مستوى الوعي الحقوقي لدى الأفراد. كما أن تزايد النزاعات الأسرية المعروضة على القضاء، خاصة تلك المرتبطة بالطلاق والنفقة والحضانة، كشف عن محدودية بعض المقتضيات القانونية في توفير حلول ناجعة وعادلة.

إلى جانب ذلك، لعبت المرجعيات الدولية لحقوق الإنسان دورا مهما في تغذية النقاش العمومي حول إصلاح مدونة الأسرة، حيث صادق المغرب على عدد من الاتفاقيات الدولية التي تكرس مبدأ المساواة وعدم التمييز، وهو ما دفع إلى المطالبة بملاءمة التشريع الوطني مع هذه الالتزامات، خاصة فيما يتعلق بحقوق المرأة والطفل.

كما لا يمكن إغفال الدور الذي لعبته المؤسسة القضائية في إبراز الحاجة إلى الإصلاح، من خلال الاجتهادات القضائية التي حاولت في كثير من الأحيان تجاوز بعض الثغرات التشريعية، وهو ما يعكس وجود فراغات قانونية أو نصوص تحتاج إلى مزيد من التوضيح والتدقيق.

وتتوزع المطالب المجتمعية لإصلاح مدونة الأسرة بين تلك التي تروم تعزيز الحماية القانونية لفئات معينة، وعلى رأسها النساء والأطفال، وتلك التي تسعى إلى تجاوز الإكراهات العملية المرتبطة بتطبيق النصوص القانونية، بما يضمن تحقيق العدالة الأسرية بشكل أكثر فعالية.

 المطلب الأول: مطالب تعزيز حقوق المرأة والطفل

أضحت مسألة تعزيز حقوق المرأة والطفل في إطار مدونة الأسرة من أبرز المطالب المجتمعية التي تفرض نفسها بإلحاح في سياق النقاش العمومي الدائر حول إصلاح هذه المدونة، وذلك بالنظر إلى التحولات العميقة التي شهدها المجتمع المغربي، سواء على المستوى الاجتماعي أو الاقتصادي أو الثقافي، والتي انعكست بشكل مباشر على طبيعة العلاقات داخل الأسرة. فقد لم يعد بالإمكان التعامل مع الأسرة وفق التصورات التقليدية التي كانت سائدة عند وضع مدونة الأسرة سنة 2004، بل أصبح من الضروري إعادة النظر في عدد من المقتضيات بما يضمن تحقيق مزيد من الإنصاف والعدالة لفائدة النساء والأطفال.

وفي هذا الإطار، برزت مجموعة من المطالب التي تدعو إلى تعزيز الحماية القانونية للمرأة داخل المؤسسة الزوجية، وذلك من خلال إعادة النظر في بعض الأحكام التي لا تزال، في نظر العديد من الفاعلين، تكرس نوعا من عدم التوازن في العلاقة بين الزوجين. ومن بين أبرز هذه القضايا، مسألة زواج القاصرات، التي تشكل أحد أكثر المواضيع إثارة للجدل، حيث تشير الممارسة القضائية إلى استمرار منح الإذن بزواج القاصرين في عدد من الحالات، رغم الطابع الاستثنائي الذي أقره المشرع لهذا النوع من الزواج. وهو ما دفع العديد من الجمعيات الحقوقية إلى المطالبة بإلغاء هذا الاستثناء أو على الأقل تقييده بشكل أكثر صرامة، حماية لمصلحة الطفلة وضمانا لحقها في التعليم والنمو السليم.

كما تندرج ضمن مطالب تعزيز حقوق المرأة الدعوة إلى مراجعة نظام التعدد، الذي وإن كان مقيدا بشروط قانونية دقيقة، إلا أن تطبيقه العملي يثير عدة إشكالات، خاصة فيما يتعلق بمدى تحقق شرط العدل بين الزوجات، وهو شرط يصعب التحقق منه واقعيا. لذلك، تتجه بعض الآراء إلى المطالبة بإلغاء التعدد أو تشديد القيود المفروضة عليه بشكل أكبر، بما ينسجم مع مبدأ المساواة داخل الأسرة.

وعلى مستوى انحلال ميثاق الزوجية، تبرز الحاجة إلى إعادة تقييم بعض مقتضيات الطلاق والتطليق، خاصة ما يتعلق بالتطليق للشقاق، الذي أصبح يشكل النسبة الأكبر من قضايا الطلاق المعروضة على المحاكم. فرغم ما يوفره هذا النظام من مرونة في إنهاء العلاقة الزوجية، إلا أنه يطرح إشكالات على مستوى حماية حقوق الزوجة، خصوصا فيما يتعلق بالإثبات وتقدير التعويضات. كما أن مسطرة الطلاق لا تزال، في بعض الحالات، تطول بشكل يؤثر سلبا على الاستقرار النفسي والاجتماعي للمرأة والأطفال.

أما فيما يتعلق بحقوق الطفل، فقد تعززت المطالب بضرورة جعل مصلحة الطفل الفضلى معيارا أساسيا في جميع القرارات القضائية المتعلقة به، سواء تعلق الأمر بالحضانة أو النفقة أو الزيارة. وفي هذا السياق، يثار نقاش واسع حول بعض مقتضيات الحضانة، خاصة تلك المرتبطة بسقوطها في حالات معينة، حيث يرى البعض أن هذه المقتضيات قد لا تراعي دائما مصلحة الطفل بقدر ما تستند إلى اعتبارات شكلية.

كما تشكل إشكالية تنفيذ أحكام النفقة أحد أبرز التحديات التي تواجه حماية حقوق الأطفال، حيث تعاني العديد من الأمهات من صعوبات في تحصيل مستحقات النفقة، مما ينعكس سلبا على الوضعية المعيشية للأطفال. وهو ما دفع إلى المطالبة بإيجاد آليات أكثر فعالية لضمان تنفيذ هذه الأحكام، مثل إحداث صناديق خاصة لدعم النفقة أو تشديد العقوبات في حالة الامتناع عن الأداء.

ولا يمكن إغفال المطالب المرتبطة بإقرار مزيد من المساواة بين الزوجين في ما يتعلق بالمسؤوليات الأسرية، خاصة في ظل التحولات التي جعلت المرأة تساهم بشكل كبير في إعالة الأسرة. وفي هذا الإطار، تبرز الدعوة إلى تفعيل المقتضيات المتعلقة بتدبير الأموال المكتسبة أثناء الزواج، بما يضمن حماية حقوق المرأة في الثروة المشتركة، خاصة في حالات الطلاق.

وعموما، فإن المطالب المتعلقة بتعزيز حقوق المرأة والطفل لا تقتصر على تعديل النصوص القانونية فحسب، بل تمتد لتشمل ضرورة تحسين آليات التطبيق، سواء على مستوى القضاء أو على مستوى الوعي المجتمعي. إذ يظل تحقيق العدالة الأسرية رهينا بمدى قدرة المشرع على سن قواعد قانونية منصفة، وبمدى فعالية المؤسسات في تنزيلها على أرض الواقع.

وبذلك، يتضح أن إصلاح مدونة الأسرة في هذا الجانب يقتضي مقاربة شمولية تأخذ بعين الاعتبار مختلف الأبعاد القانونية والاجتماعية، بما يضمن تحقيق التوازن بين حقوق وواجبات أفراد الأسرة، ويكرس مبدأ المصلحة الفضلى للطفل، ويعزز مكانة المرأة داخل المجتمع، في إطار يحترم الخصوصية الثقافية والدينية للمغرب.

 المطلب الثاني: تجاوز الإشكالات العملية في تطبيق مدونة الأسرة

إذا كانت مدونة الأسرة قد شكلت عند صدورها سنة 2004 خطوة تشريعية متقدمة في تنظيم العلاقات الأسرية، فإن الممارسة العملية أبانت عن مجموعة من الإكراهات والتحديات التي تعيق تحقيق الأهداف التي توخاها المشرع. فالنص القانوني، مهما بلغ من الدقة والإحكام، يظل رهينا بمدى قابليته للتطبيق على أرض الواقع، وهو ما كشف عن وجود فجوة بين المقتضيات القانونية والتنزيل العملي لها، الأمر الذي دفع إلى بروز مطالب مجتمعية تروم تجاوز هذه الإشكالات بما يحقق فعالية أكبر للعدالة الأسرية.

ومن أبرز الإشكالات التي أفرزها التطبيق العملي لمدونة الأسرة، تلك المرتبطة بالمساطر القضائية، حيث يلاحظ أن عددا  من القضايا الأسرية، خاصة المتعلقة بالطلاق والتطليق والنفقة، تعرف نوعا من البطء في البت، نتيجة تعقيد الإجراءات وتعدد المراحل التي تمر منها الدعوى. هذا البطء لا ينعكس فقط على فعالية القضاء، بل يؤثر بشكل مباشر على الأوضاع النفسية والاجتماعية للأطراف، خصوصا النساء والأطفال الذين يجدون أنفسهم في وضعية انتظار قد تطول لعدة أشهر أو حتى سنوات.

كما تبرز إشكالية إثبات بعض الوقائع كأحد التحديات الأساسية في تطبيق المدونة، خاصة في قضايا التطليق للشقاق أو إثبات الضرر، حيث يواجه القضاة صعوبات في تقدير الوقائع المعروضة عليهم في ظل غياب وسائل إثبات كافية أو واضحة. وهو ما يؤدي أحيانا إلى صدور أحكام قد لا تعكس بشكل دقيق حقيقة النزاع، أو قد لا تحقق الإنصاف المطلوب لأحد الأطراف.

ومن جهة أخرى، يطرح تنفيذ الأحكام القضائية، خاصة تلك المتعلقة بالنفقة، إشكالا حقيقيا، حيث تعاني نسبة مهمة من المستفيدين من صعوبات في تنفيذ هذه الأحكام، بسبب امتناع المحكوم عليهم عن الأداء أو تهربهم من التنفيذ. ورغم وجود بعض الآليات القانونية لإجبار المدين على التنفيذ، إلا أنها تظل في كثير من الأحيان غير كافية أو غير فعالة، مما يستدعي التفكير في آليات بديلة أكثر نجاعة، كتعزيز دور صندوق التكافل العائلي أو إقرار وسائل زجرية أكثر صرامة.

كما أن من بين الإشكالات العملية التي تثير الكثير من النقاش، مسألة تضارب الاجتهادات القضائية، حيث يؤدي غياب توحيد التفسير لبعض مقتضيات المدونة إلى صدور أحكام مختلفة في قضايا متشابهة، وهو ما يمس بمبدأ الأمن القانوني ويؤثر على ثقة المتقاضين في القضاء. ويعكس هذا الوضع الحاجة إلى مزيد من التأطير القضائي، سواء من خلال توجيهات محكمة النقض أو عبر تكوين مستمر للقضاة في مجال قضاء الأسرة.

إلى جانب ذلك، تبرز محدودية الوعي القانوني لدى فئة واسعة من المواطنين كعامل مؤثر في صعوبة تطبيق المدونة، حيث يجهل العديد من الأفراد حقوقهم وواجباتهم، مما يؤدي إلى سوء استعمال بعض المقتضيات القانونية أو العزوف عن اللجوء إلى القضاء في بعض الحالات. وهو ما يفرض ضرورة تعزيز الثقافة القانونية داخل المجتمع، من خلال حملات تحسيسية وتوعوية.

كما لا يمكن إغفال الإكراهات المرتبطة بالبنية التحتية والموارد البشرية داخل أقسام قضاء الأسرة، حيث تعاني بعض المحاكم من ضغط كبير في عدد الملفات المعروضة عليها، مقابل نقص في عدد القضاة والأطر الإدارية، وهو ما يؤثر سلبا على جودة وسرعة البت في القضايا.

وفي نفس السياق، تطرح إشكالية تتبع تنفيذ الأحكام المتعلقة بالحضانة والزيارة، حيث يشهد الواقع العملي العديد من النزاعات المرتبطة بعدم احترام مواعيد الزيارة أو عرقلة تنفيذها، في ظل غياب آليات فعالة للمراقبة والتتبع، الأمر الذي يؤثر بشكل مباشر على مصلحة الطفل.

وعليه، فإن تجاوز الإشكالات العملية في تطبيق مدونة الأسرة يقتضي اعتماد مقاربة إصلاحية شاملة، لا تقتصر فقط على تعديل النصوص القانونية، بل تمتد لتشمل تبسيط المساطر القضائية، وتعزيز وسائل الإثبات، وتطوير آليات تنفيذ الأحكام، وتوحيد الاجتهاد القضائي، إلى جانب تقوية البنية المؤسساتية لقضاء الأسرة، ونشر الوعي القانوني داخل المجتمع.

وبذلك، يتضح أن تحقيق فعالية مدونة الأسرة رهين بمدى القدرة على التوفيق بين جودة النص القانوني ونجاعة التطبيق العملي، بما يضمن تحقيق العدالة الأسرية في بعدها الواقعي، ويعزز ثقة المواطنين في المنظومة القانونية والقضائية.

 المبحث الثاني: التحفظات والتحديات التي تواجه إصلاح مدونة الأسرة

إذا كانت المطالب المجتمعية بإصلاح مدونة الأسرة تعكس دينامية حقوقية واجتماعية تروم تحقيق مزيد من العدالة داخل المؤسسة الأسرية، فإن هذا التوجه لا يخلو من جملة من التحفظات والتحديات التي تطرح نفسها بقوة في سياق النقاش العمومي. ذلك أن إصلاح مدونة الأسرة لا يرتبط فقط باعتبارات قانونية أو تقنية، بل يتداخل فيه ما هو ديني وثقافي واجتماعي، مما يجعل أي محاولة للتعديل محاطة بحساسية خاصة تستوجب التروي والتوازن.

فقد أفرز النقاش حول مراجعة مدونة الأسرة تباينا واضحا في مواقف الفاعلين، بين اتجاه يدعو إلى تحديث شامل لمقتضياتها بما ينسجم مع التحولات المجتمعية والالتزامات الدولية للمغرب، واتجاه آخر يتحفظ على بعض هذه الدعوات بدعوى تعارضها مع المرجعية الإسلامية التي تشكل الأساس الذي تقوم عليه المدونة. ويعكس هذا التباين عمق الإشكال المرتبط بإصلاح المنظومة الأسرية، باعتبارها مجالا تتقاطع فيه القيم الدينية مع التوجهات الحقوقية الحديثة.

ومن جهة أخرى، تبرز مجموعة من التحديات العملية التي تعيق تنزيل أي إصلاح محتمل، سواء على مستوى البنية المؤسساتية أو على مستوى الوعي المجتمعي، وهو ما يجعل تحقيق إصلاح متوازن وفعال رهينا بمدى القدرة على استيعاب هذه الإكراهات والتعامل معها بشكل عقلاني ومتدرج.

 المطلب الأول: التخوف من المساس بالمرجعية الإسلامية

يشكل موضوع المرجعية الإسلامية أحد المرتكزات الأساسية التي يقوم عليها تنظيم الأسرة في المغرب، وهو ما جعل مدونة الأسرة لسنة 2004 تبنى على أساس التوفيق بين أحكام الشريعة الإسلامية ومتطلبات العصر. وقد أكد المشرع المغربي، من خلال مختلف المقتضيات، على أن الأسرة تقوم على مبادئ مستمدة من الدين الإسلامي، بما يعكس الخصوصية الدينية والثقافية للمجتمع المغربي. غير أن النقاش الدائر حول إصلاح مدونة الأسرة أفرز تخوفات متزايدة لدى بعض الفاعلين من احتمال المساس بهذه المرجعية في إطار الدعوات المتنامية لتعديل بعض أحكامها.

وترتبط هذه التخوفات أساسا بطبيعة بعض المقترحات الإصلاحية التي تدعو إلى إعادة النظر في قضايا تعتبر، في نظر هذا الاتجاه، ذات طابع ديني قطعي، مثل نظام الإرث، والتعدد، وبعض ضوابط الطلاق. حيث ينظر إلى هذه المجالات باعتبارها مؤطرة بنصوص شرعية واضحة، مما يجعل أي تعديل يمس جوهرها يفهم على أنه خروج عن الثوابت الدينية التي يقوم عليها النظام القانوني المغربي. ومن ثم، فإن هذا التيار يدعو إلى ضرورة الالتزام بالمرجعية الإسلامية باعتبارها سقفا لا يمكن تجاوزه في أي إصلاح تشريعي يهم الأسرة.

كما يستند هذا الموقف إلى البعد الدستوري، حيث ينص الدستور المغربي على أن الإسلام هو دين الدولة، وهو ما يفهم منه أن التشريعات، خاصة تلك المرتبطة بالأحوال الشخصية، يجب أن تستند إلى أحكام الشريعة الإسلامية. وبالتالي، فإن أي إصلاح لمدونة الأسرة ينبغي أن يتم في إطار هذه المرجعية، مع إمكانية الاجتهاد في المسائل التي تحتمل التأويل، دون المساس بالأحكام القطعية.

ومن جهة أخرى، يعبر أصحاب هذا التوجه عن تخوفهم من تأثير المرجعيات الدولية على التشريع الوطني، خاصة في ظل الدعوات إلى ملاءمة القوانين المغربية مع الاتفاقيات الدولية المتعلقة بحقوق الإنسان، والتي قد تتضمن، في نظرهم، بعض المقتضيات التي لا تنسجم مع الخصوصية الدينية للمجتمع المغربي. وهو ما يثير إشكالية التوفيق بين الالتزامات الدولية والسيادة التشريعية، خاصة في مجال حساس كقانون الأسرة.

كما يذهب هذا الاتجاه إلى التأكيد على أن الحفاظ على المرجعية الإسلامية لا يعني الجمود أو رفض الإصلاح، بل يدعو إلى تبني مقاربة إصلاحية من داخل النسق الإسلامي نفسه، من خلال تفعيل آليات الاجتهاد الفقهي التي تتيح إمكانية تطوير الأحكام بما يواكب التحولات الاجتماعية، دون الإخلال بالثوابت. وهو ما يفتح المجال أمام اجتهادات فقهية معاصرة يمكن أن تساهم في إيجاد حلول وسطى تحقق التوازن بين الأصالة والمعاصرة.

وفي مقابل ذلك، يرى اتجاه آخر أن التمسك الصارم ببعض التأويلات التقليدية للنصوص الدينية قد يعيق تحقيق العدالة داخل الأسرة، خاصة إذا لم يتم الأخذ بعين الاعتبار السياق الاجتماعي المتغير. غير أن هذا الطرح يواجه بدوره انتقادات من قبل المدافعين عن المرجعية الإسلامية، الذين يعتبرون أن أي إصلاح ينبغي أن يتم في إطار احترام الهوية الدينية للمجتمع، تفاديا لإحداث نوع من القطيعة بين القانون والواقع الثقافي للمواطنين.

وتزداد حدة هذه التخوفات بالنظر إلى حساسية موضوع الأسرة، باعتبارها مجالا يرتبط ارتباطا وثيقا بالقيم الدينية والأخلاقية، مما يجعل أي تعديل في هذا المجال موضوعا لنقاش مجتمعي واسع، قد يتجاوز الأبعاد القانونية ليشمل أبعادا فكرية وإيديولوجية.

وعليه، فإن التخوف من المساس بالمرجعية الإسلامية يشكل أحد أبرز التحديات التي تواجه إصلاح مدونة الأسرة، إذ يفرض على المشرع اعتماد مقاربة متوازنة تراعي هذا المعطى الأساسي، من خلال الانفتاح على الاجتهاد الفقهي المستنير، وإشراك العلماء والفقهاء إلى جانب باقي الفاعلين، بما يضمن تحقيق إصلاح منسجم مع الهوية الدينية للمجتمع، وفي نفس الوقت قادر على الاستجابة لمتطلبات التطور والعدالة الاجتماعية.

المطلب الثاني: إكراهات التوفيق بين الخصوصية والكونية

يطرح إصلاح مدونة الأسرة في المغرب إشكالا مركزيا يتمثل في كيفية التوفيق بين الخصوصية الوطنية، ذات الأبعاد الدينية والثقافية والاجتماعية، وبين القيم الكونية لحقوق الإنسان التي أصبحت تشكل مرجعية أساسية في التشريعات الحديثة. ويعد هذا التحدي من أعقد الإشكالات التي تواجه المشرع، بالنظر إلى الطبيعة المركبة لقانون الأسرة، الذي لا يقتصر على كونه تنظيما قانونيا للعلاقات بين الأفراد، بل يعكس أيضا منظومة قيمية متجذرة في المجتمع.

فمن جهة أولى، تفرض الخصوصية المغربية نفسها كمعطى أساسي لا يمكن تجاهله في أي إصلاح تشريعي، حيث تستند مدونة الأسرة إلى مرجعية إسلامية واضحة، وتستحضر في نفس الوقت الأعراف والتقاليد الاجتماعية التي تؤطر العلاقات داخل الأسرة. كما أن هذه الخصوصية تجد سندها في الإطار الدستوري، الذي يكرس هوية الدولة المغربية ويؤكد على تشبثها بثوابتها الدينية والوطنية. ومن ثم، فإن أي محاولة لإصلاح مدونة الأسرة ينبغي أن تراعي هذا البعد، تفاديا لإحداث قطيعة بين النص القانوني والواقع الاجتماعي.

في المقابل، يواجه المغرب، كغيره من الدول، ضغوطا متزايدة في اتجاه ملاءمة تشريعاته الوطنية مع الالتزامات الدولية، خاصة تلك المتعلقة بحقوق الإنسان، والتي تقوم على مبادئ المساواة وعدم التمييز. وقد انخرط المغرب في هذه المنظومة من خلال المصادقة على عدد من الاتفاقيات الدولية، مما يفرض عليه العمل على تحقيق نوع من الانسجام بين هذه الالتزامات والتشريعات الداخلية، بما في ذلك مدونة الأسرة.

غير أن هذا التوجه يثير إشكالات متعددة، لعل أبرزها مدى قابلية بعض المبادئ الكونية للتطبيق في سياق يتميز بخصوصيات ثقافية ودينية متميزة. فبعض المفاهيم، مثل المساواة المطلقة بين الجنسين في جميع المجالات، قد تفهم بشكل مختلف داخل المجتمع المغربي، حيث يتم تأويلها في ضوء المرجعية الإسلامية التي تقوم على مبدأ التكامل بين الرجل والمرأة أكثر من المساواة الشكلية.

كما أن التوفيق بين الخصوصية والكونية يطرح تحديات على مستوى الصياغة القانونية، حيث يجد المشرع نفسه مطالبا بإنتاج نصوص قانونية تستجيب لمعايير دولية، دون أن تفقد في الآن ذاته انسجامها مع القيم المجتمعية. وهو ما يتطلب اعتماد لغة قانونية دقيقة ومرنة، تسمح بتأويلات متعددة تضمن التوازن بين مختلف المرجعيات.

ومن جهة أخرى، تبرز صعوبة هذا التوفيق على مستوى التطبيق القضائي، حيث يجد القاضي نفسه أحيانا أمام نصوص قانونية قد تحتمل أكثر من تفسير، بين تفسير محافظ يستند إلى الخصوصية، وتفسير حداثي يستحضر المرجعية الكونية. وهو ما قد يؤدي إلى تضارب في الاجتهادات القضائية، ويؤثر على توحيد العمل القضائي.

كما تلعب العوامل الاجتماعية دورا مهما في تعقيد هذا التوفيق، إذ إن المجتمع المغربي ليس كتلة واحدة متجانسة، بل يتسم بتعدد في التوجهات والتمثلات، بين فئات محافظة وأخرى حداثية، وهو ما يجعل أي إصلاح عرضة لتباين في القبول أو الرفض. وبالتالي، فإن نجاح أي تعديل لمدونة الأسرة يظل رهينا بمدى قدرته على تحقيق نوع من التوافق المجتمعي.

وفي هذا السياق، تبرز أهمية اعتماد مقاربة تشاركية في إصلاح مدونة الأسرة، تقوم على إشراك مختلف الفاعلين، من مؤسسات رسمية وهيئات حقوقية وعلماء وفقهاء، إلى جانب المجتمع المدني، بهدف بلورة تصور إصلاحي متوازن يراعي مختلف الحساسيات. كما أن تفعيل آلية الاجتهاد، باعتبارها أداة مرنة داخل الفقه الإسلامي، يمكن أن يشكل مدخلا أساسيا لتجاوز التعارض الظاهري بين الخصوصية والكونية.

وعليه، فإن إكراهات التوفيق بين الخصوصية والكونية لا ينبغي أن تفهم كعائق مطلق أمام الإصلاح، بل كمعطى موضوعي يفرض على المشرع اعتماد منهجية دقيقة تقوم على التدرج والمرونة والتوافق، بما يضمن تحقيق إصلاح قانوني متوازن يحترم هوية المجتمع المغربي، وينفتح في نفس الوقت على القيم الكونية لحقوق الإنسان.

خاتمة

يتبين من خلال ما سبق أن إصلاح مدونة الأسرة بالمغرب يشكل ورشا مجتمعيا وقانونيا معقدا، تتداخل فيه اعتبارات متعددة، تتراوح بين ما هو حقوقي واجتماعي من جهة، وما هو ديني وثقافي من جهة أخرى. فإذا كانت المطالب المجتمعية قد أبرزت الحاجة الملحة إلى مراجعة عدد من مقتضيات المدونة، خاصة تلك المرتبطة بحماية حقوق المرأة والطفل وتجاوز الإشكالات العملية التي أفرزها التطبيق، فإن هذه الدينامية الإصلاحية تصطدم في المقابل بجملة من التحفظات والتحديات التي تفرض نفسها بقوة في سياق النقاش العمومي.

فقد أبانت التجربة العملية لمدونة الأسرة عن وجود فجوة نسبية بين النص القانوني والواقع الاجتماعي، وهو ما يستدعي تدخلا تشريعيا يروم تعزيز فعالية النصوص القانونية وتكييفها مع التحولات التي يعرفها المجتمع المغربي. غير أن هذا الإصلاح لا يمكن أن يتم بمعزل عن استحضار المرجعية الإسلامية التي تشكل أحد الثوابت الأساسية للمجتمع، ولا عن الخصوصية الثقافية التي تميز بنيته الاجتماعية، مما يفرض اعتماد مقاربة متوازنة تتجنب منطق القطيعة أو الاستنساخ غير الملائم للنماذج المقارنة.

وفي هذا الإطار، يظل التحدي الأساسي الذي يواجه المشرع المغربي هو القدرة على التوفيق بين متطلبات التحديث والانفتاح على القيم الكونية لحقوق الإنسان، وبين ضرورة الحفاظ على الهوية الدينية والثقافية للمجتمع. وهو ما يستدعي تبني إصلاح تدريجي وتوافقي، يقوم على إشراك مختلف الفاعلين، من مؤسسات دستورية وهيئات حقوقية وعلماء وفقهاء، إلى جانب المجتمع المدني، بما يضمن بلورة تصور إصلاحي متكامل يحظى بقبول مجتمعي واسع.

كما أن نجاح هذا الورش الإصلاحي يظل رهينا ليس فقط بجودة النصوص القانونية، بل أيضا بفعالية آليات تطبيقها، من خلال تطوير القضاء الأسري، وتبسيط المساطر، وتعزيز وسائل تنفيذ الأحكام، إلى جانب نشر الوعي القانوني داخل المجتمع. إذ لا يمكن تحقيق العدالة الأسرية المنشودة إلا من خلال تكامل بين التشريع والممارسة.

وعموما، فإن إصلاح مدونة الأسرة لا ينبغي أن ينظر إليه كغاية في حد ذاته، بل كوسيلة لتحقيق استقرار الأسرة وضمان تماسكها، في إطار من العدل والإنصاف، بما ينسجم مع تطلعات المجتمع المغربي، ويحافظ في الآن ذاته على ثوابته وهويته. وهو ما يجعل هذا الورش مفتوحا على إمكانيات متعددة، تتطلب قدرا كبيرا من الحكمة والتبصر في تدبيره.

إرسال تعليق

NextGen Digital Welcome to WhatsApp chat
Howdy! How can we help you today?
Type here...