تدبير الأراضي السلالية في ضوء قوانين 2019
تعد الأراضي السلالية، أو ما يعرف بأراضي الجموع، من أبرز الأنظمة العقارية ذات الخصوصية في المغرب، بالنظر إلى جذورها التاريخية الممتدة في الأعراف القبلية التي كانت تنظم علاقة الإنسان بالأرض على أساس الانتماء الجماعي لا الفردي، حيث شكلت هذه الأراضي عبر فترات طويلة وسيلة للعيش والاستقرار داخل البنيات الاجتماعية التقليدية. وقد حافظ هذا النظام على استمراريته رغم التحولات السياسية والاقتصادية التي عرفها المغرب، إذ تدخل المشرع منذ فترة الحماية من خلال ظهير 27 أبريل 1919 لوضع إطار قانوني يؤطر تدبير هذه الأراضي، غير أن هذا الإطار ظل يعاني من عدة اختلالات، خاصة على مستوى الحكامة وضعف التحديد العقاري، إضافة إلى محدودية إدماج هذه الأراضي في الدينامية الاقتصادية.
ومع تطور الأوضاع الاقتصادية والاجتماعية، وارتفاع الطلب على العقار باعتباره ركيزة أساسية للتنمية، برزت الحاجة إلى إصلاح شامل لنظام الأراضي السلالية، بما يضمن تحقيق التوازن بين الحفاظ على الطابع الجماعي لهذه الملكية وبين متطلبات الاستثمار والتنمية المستدامة. وفي هذا السياق، جاء الإصلاح التشريعي لسنة 2019 ليشكل محطة مفصلية في مسار تحديث هذا النظام، من خلال إصدار ترسانة قانونية جديدة تمثلت في القوانين 62.17 و63.17 و64.17، والتي هدفت إلى إعادة تنظيم تدبير الأراضي السلالية وفق مقاربة حديثة تقوم على تعزيز الحكامة الجيدة، وتكريس مبدأ الشفافية، وتوسيع دائرة المستفيدين، خاصة من خلال الاعتراف بحق النساء في الاستفادة، إضافة إلى ضبط مساطر التحديد الإداري وتسهيل تعبئة هذه الأراضي في المشاريع الاستثمارية.
غير أن تنزيل هذه القوانين على أرض الواقع يثير العديد من الإشكالات، سواء على المستوى القانوني أو العملي، إذ لا تزال بعض الممارسات التقليدية تعيق تفعيل المقتضيات الجديدة، كما أن إشكالية تحديد ذوي الحقوق، وتعقيد المساطر الإدارية، واستمرار بعض أشكال الوصاية، تطرح تساؤلات حول مدى فعالية هذه الإصلاحات في تحقيق الأهداف المرجوة منها. كما يظل التحدي الأساسي هو إيجاد توازن دقيق بين حماية الحقوق الجماعية للجماعات السلالية وبين ضرورة إدماج هذه الأراضي في مسلسل التنمية الاقتصادية.
وانطلاقا من ذلك، تتجلى أهمية هذا الموضوع في كونه يعكس رهانات كبرى تتعلق بالحكامة العقارية والعدالة الاجتماعية والتنمية المستدامة، مما يفرض طرح الإشكالية التالية:
إلى أي حد استطاعت قوانين 2019 تحقيق تدبير فعال وحديث للأراضي السلالية بالمغرب؟
وتتفرع عن هذه الإشكالية مجموعة من التساؤلات الفرعية المرتبطة بطبيعة المستجدات التي جاءت بها هذه القوانين، وكذا الإكراهات التي تعترض تطبيقها، وهو ما سيتم التطرق إليه من خلال تحليل الإطار القانوني والمؤسساتي لتدبير الأراضي السلالية، ثم الوقوف عند أبرز التحديات التي تواجه هذا التدبير في الواقع العملي.
المبحث الأول: الإطار القانوني والمؤسساتي لتدبير الأراضي السلالية في ضوء قوانين 2019
في إطار سعي المشرع المغربي إلى تحديث النظام العقاري المرتبط بالأراضي السلالية، جاء إصلاح سنة 2019 ليؤسس لمنظومة قانونية ومؤسساتية جديدة تروم تجاوز الإكراهات التي طبعت تدبير هذا النوع من العقارات لعقود طويلة. فقد أفرزت القوانين 62.17 و63.17 و64.17 تحولات عميقة على مستوى تأطير هذه الأراضي، سواء من حيث إعادة تنظيم نظام الوصاية الإدارية، أو من حيث ضبط مساطر التحديد الإداري، أو على مستوى وضع قواعد حديثة لاستغلال هذه الأراضي وتثمينها.
وتكمن أهمية هذا المبحث في كونه يسلط الضوء على الأسس القانونية والمؤسساتية التي يقوم عليها تدبير الأراضي السلالية في ظل الإصلاح الجديد، من خلال تحليل أهم المستجدات التشريعية التي جاء بها هذا الإطار القانوني، وكذا دراسة الآليات التي تعتمدها الدولة والجماعات السلالية في تدبير هذه الأراضي. كما يهدف إلى إبراز مدى تطور هذا النظام من منطق تقليدي قائم على الأعراف إلى منطق حديث يستند إلى مبادئ الحكامة الجيدة والشفافية.
وعليه، فإن هذا المبحث سيعالج، من جهة، المستجدات التشريعية التي جاءت بها قوانين 2019، ومن جهة أخرى، الآليات المؤسسية المعتمدة في تدبير الأراضي السلالية، وذلك بهدف الوقوف على مدى نجاعة هذا الإطار القانوني في تحقيق الأهداف المسطرة له.
المطلب الأول: المستجدات التشريعية التي جاءت بها قوانين 2019
عرف نظام الأراضي السلالية تحولا نوعيا مع صدور القوانين 62.17 و63.17 و64.17، حيث عمل المشرع من خلالها على تجاوز القصور الذي كان يطبع ظهير 1919، وذلك عبر وضع إطار قانوني حديث يستجيب لمتطلبات الحكامة الجيدة والتنمية المستدامة، فقد جاء القانون 62.17 لينظم الوصاية الإدارية على الجماعات السلالية، مانحا للسلطة الإدارية دورا محوريا في مراقبة تدبير هذه الأراضي، بهدف ضمان الشفافية وحسن الاستغلال، في حين ركز القانون 63.17 على مسطرة التحديد الإداري، باعتبارها آلية أساسية لضبط الوضعية القانونية للأراضي والحد من النزاعات المرتبطة بها، أما القانون 64.17 فقد خصص لتنظيم أراضي الجموع بشكل مباشر، حيث حدد طرق تدبيرها واستغلالها، سواء بشكل فردي أو جماعي، كما فتح المجال أمام إمكانية تعبئتها للاستثمار، مع وضع ضمانات لحماية حقوق ذوي الحقوق، ومن بين أهم المستجدات التي جاءت بها هذه القوانين كذلك تكريس مبدأ المساواة بين الجنسين في الاستفادة من الأراضي السلالية، وتقنين دور نواب الجماعة السلالية، وإرساء آليات جديدة للحكامة، وهو ما يعكس توجه المشرع نحو إدماج هذه الأراضي في الدينامية الاقتصادية والاجتماعية للمغرب.
المطلب الثاني: البنية المؤسساتية وآليات تدبير الأراضي السلالية
يقوم تدبير الأراضي السلالية في ظل القوانين الجديدة على بنية مؤسساتية متعددة المستويات، تتداخل فيها أدوار الجماعات السلالية والسلطات الإدارية، حيث تعتبر الجماعة السلالية الإطار الأساسي الذي يضم ذوي الحقوق، باعتبارهم المالكين الجماعيين لهذه الأراضي، ويتم تمثيلهم بواسطة نواب الجماعة السلالية الذين يتولون مهمة تدبير شؤون الأرض واتخاذ القرارات المتعلقة باستغلالها، وذلك تحت إشراف السلطة الوصية التي تمارس رقابة إدارية تهدف إلى ضمان احترام القانون وتحقيق المصلحة العامة، كما تم إقرار آليات حديثة للتدبير تقوم على الشفافية والتشاور، من خلال إشراك ذوي الحقوق في اتخاذ القرارات، خاصة تلك المتعلقة بتفويت الأراضي أو كرائها أو استغلالها في مشاريع استثمارية، وقد أتاح المشرع إمكانية استغلال هذه الأراضي بطرق متنوعة، سواء عبر الاستغلال الفردي أو الجماعي أو من خلال الشراكات مع المستثمرين، وهو ما يعكس تحولا من منطق المحافظة إلى منطق التثمين الاقتصادي، غير أن هذه الآليات تظل رهينة بمدى قدرة الفاعلين المحليين على حسن تدبيرها، ومدى فعالية الرقابة الإدارية في تحقيق التوازن بين حماية الحقوق الجماعية وتشجيع الاستثمار.
المبحث الثاني: إشكالات تدبير الأراضي السلالية وتحديات تفعيل قوانين 2019
رغم الأهمية الكبيرة التي يكتسيها الإصلاح التشريعي لسنة 2019 في مجال تدبير الأراضي السلالية، فإن تنزيل مقتضياته على أرض الواقع يظل محفوفا بعدة إكراهات وإشكالات عملية وقانونية، تؤثر بشكل مباشر على فعالية هذا النظام وقدرته على تحقيق الأهداف التنموية المرجوة. فبين النص القانوني والتطبيق العملي تبرز مجموعة من التحديات التي تعكس تعقيد هذا الموضوع وتشابك أبعاده الاجتماعية والاقتصادية والقانونية.
ويكتسي هذا المبحث أهمية خاصة، لكونه يركز على الجانب التطبيقي للإصلاح، من خلال تحليل أبرز الإشكالات التي تعترض تدبير الأراضي السلالية، سواء على مستوى تحديد ذوي الحقوق، أو على مستوى صعوبة تنزيل مساطر التحديد الإداري، أو من حيث التحديات المرتبطة بالحكامة والاستثمار. كما يسلط الضوء على حدود فعالية القوانين الجديدة في مواجهة الواقع العملي، ومدى قدرتها على إحداث التغيير المنشود.
وعليه، سيتم التطرق في هذا المبحث إلى الإكراهات القانونية والواقعية التي تواجه تدبير الأراضي السلالية، ثم إلى التحديات المرتبطة بالحكامة والاستثمار، وذلك بهدف تقديم قراءة نقدية للإصلاحات القانونية، والوقوف على مكامن القوة والضعف فيها، في أفق اقتراح سبل لتطوير هذا النظام وتحسين أدائه.
المطلب الأول: الإكراهات القانونية والواقعية لتدبير الأراضي السلالية
رغم الأهمية التي تكتسيها الإصلاحات التي جاءت بها قوانين 2019، فإن تدبير الأراضي السلالية لا يزال يواجه مجموعة من الإكراهات القانونية والعملية التي تحد من فعاليته، حيث تبرز إشكالية تحديد ذوي الحقوق كأحد أبرز التحديات، نظرا لغياب معايير دقيقة وموحدة في بعض الحالات، مما يؤدي إلى نشوء نزاعات داخلية بين أفراد الجماعة السلالية، كما تعاني مسطرة التحديد الإداري من بطء في الإنجاز، وهو ما يؤثر سلبا على استقرار الوضعية القانونية لهذه الأراضي ويعرقل عمليات استغلالها أو تفويتها، بالإضافة إلى ذلك، يثير نظام الوصاية الإدارية نقاشا حول مدى استقلالية الجماعات السلالية، حيث يرى البعض أن تدخل الإدارة بشكل مكثف قد يحد من حرية اتخاذ القرار على المستوى المحلي، كما أن تنزيل مبدأ المساواة بين الجنسين لا يزال يواجه صعوبات على أرض الواقع، بسبب استمرار بعض الأعراف والتقاليد التي تعيق استفادة النساء من حقوقهن، وهو ما يعكس وجود فجوة بين النص القانوني والتطبيق العملي.
المطلب الثاني: تحديات الحكامة والاستثمار في الأراضي السلالية
يطرح تدبير الأراضي السلالية في ظل القوانين الجديدة تحديات كبيرة على مستوى الحكامة والتثمين الاقتصادي، حيث تعاني بعض الجماعات السلالية من ضعف التأطير والتكوين، مما يؤثر على جودة التدبير ويؤدي إلى سوء استغلال الموارد، كما أن تعقيد المساطر القانونية المرتبطة بتفويت الأراضي أو كرائها يشكل عائقا أمام جذب الاستثمارات، خاصة في ظل غياب وضوح كاف في بعض الجوانب القانونية، وهو ما يدفع المستثمرين إلى التردد في الانخراط في مشاريع مرتبطة بهذه الأراضي، إضافة إلى ذلك، يظل تحقيق التوازن بين حماية الحقوق الجماعية وتشجيع الاستثمار إشكالا محوريا، حيث يتطلب الأمر إيجاد صيغة تضمن عدم تفويت الأراضي بشكل يضر بذوي الحقوق، وفي الوقت نفسه تمكينها من لعب دور فعال في التنمية الاقتصادية، وهو ما يستدعي تعزيز الحكامة الجيدة، وتبسيط المساطر، وتوفير المواكبة التقنية والقانونية للجماعات السلالية، بما يضمن تحقيق تنمية مستدامة قائمة على استغلال عقلاني لهذه الموارد العقارية.
خاتمة
في ختام هذا الموضوع، يتضح أن نظام الأراضي السلالية بالمغرب يعد من الأنظمة العقارية ذات الخصوصية البالغة، لما يحمله من أبعاد تاريخية واجتماعية وقانونية، جعلت منه مكونا أساسيا في البنية العقارية الوطنية. وقد شكل الإصلاح التشريعي لسنة 2019 منعطفا مهما في مسار تحديث هذا النظام، من خلال اعتماد ترسانة قانونية متكاملة تهدف إلى إعادة هيكلة طرق تدبير هذه الأراضي، وتعزيز حكامتها، وتوسيع نطاق الاستفادة منها، بما ينسجم مع متطلبات التنمية الاقتصادية والاجتماعية.
وقد أبانت هذه القوانين عن إرادة واضحة في تجاوز الاختلالات التي طبعت النظام السابق، لاسيما من خلال تقنين مساطر التحديد الإداري، وإعادة تنظيم الوصاية الإدارية، وإدخال مقاربة جديدة قائمة على تثمين الأراضي السلالية وفتح المجال أمام استغلالها في مشاريع استثمارية. كما شكل الاعتراف بحقوق النساء داخل الجماعات السلالية خطوة متقدمة في اتجاه تحقيق العدالة الاجتماعية والمساواة، بما يعكس تحولا نوعيا في فلسفة تدبير هذا النوع من الأملاك الجماعية.
غير أن تنزيل هذه الإصلاحات على أرض الواقع كشف عن جملة من الإكراهات والتحديات، سواء المرتبطة بطول وتعقيد المساطر الإدارية، أو صعوبة تحديد ذوي الحقوق، أو استمرار بعض الممارسات التقليدية التي تعيق مواكبة التحولات القانونية الحديثة. كما أن إشكالية التوفيق بين الحفاظ على الطابع الجماعي لهذه الأراضي وبين متطلبات الاستثمار والتنمية تظل من أبرز التحديات التي تواجه هذا النظام.
وعليه، يمكن القول إن قوانين 2019 وإن كانت قد وضعت أسسا قانونية حديثة لتدبير الأراضي السلالية، إلا أن نجاحها يظل رهينا بمدى قدرة الفاعلين المؤسساتيين على حسن تفعيلها، وتجاوز الإكراهات العملية، واعتماد مقاربة تشاركية تضمن إشراك ذوي الحقوق بشكل فعال في تدبير هذه الأراضي، مع تعزيز آليات الحكامة الجيدة والشفافية.
وفي هذا الإطار، يبقى من الضروري العمل على مواصلة الإصلاح من خلال تبسيط المساطر، وتوحيد الممارسات الإدارية، وتعزيز التأطير القانوني، بما يضمن تحقيق التوازن بين حماية الملكية الجماعية وتحقيق التنمية الاقتصادية، في أفق إدماج الأراضي السلالية بشكل فعال في الدينامية التنموية الشاملة التي يشهدها المغرب.
