الرقابة القضائية على أعمال الإدارة
مقدمة
تحتل الإدارة العمومية مكانة محورية داخل الدولة الحديثة، باعتبارها الجهاز التنفيذي المكلف بتنزيل السياسات العمومية، وضمان السير العادي للمرافق العامة، وتحقيق النظام العام بمختلف تجلياته. فالإدارة ليست مجرد جهاز تقني لتنفيذ القوانين، بل هي سلطة عمومية تتمتع بامتيازات قانونية واسعة تخول لها التدخل المباشر في حياة الأفراد والجماعات، من خلال إصدار قرارات إدارية وتنفيذها بشكل فوري دون الحاجة إلى الرجوع مسبقا إلى القضاء.
غير أن هذه الامتيازات التي منحها المشرع للإدارة، وإن كانت مبررة بضرورة تحقيق المصلحة العامة وضمان استمرارية المرفق العام، فإنها قد تتحول في بعض الأحيان إلى مصدر تهديد لحقوق الأفراد وحرياتهم، خاصة عندما تتجاوز الإدارة حدود اختصاصها أو تنحرف عن الغاية التي حددها القانون، أو تمارس سلطتها بشكل تعسفي يمس بمبدأ المساواة أو الأمن القانوني.
ومن هنا تبرز الرقابة القضائية على أعمال الإدارة كإحدى أهم الضمانات التي تقوم عليها دولة القانون، ذلك أن الإدارة، مهما بلغت سلطتها، لا يمكن أن تكون فوق القانون، بل تخضع لمبدأ المشروعية الذي يفرض عليها احترام القواعد القانونية في جميع تصرفاتها. فالرقابة القضائية ليست مجرد آلية تقنية للطعن في القرارات الإدارية، بل هي تجسيد حقيقي لفكرة خضوع السلطة للقانون، ومنع الاستبداد الإداري، وضمان حماية المواطن أمام تعسف الإدارة.
وقد كرس الدستور المغربي لسنة 2011 هذا التوجه بشكل واضح، حين نص في الفصل 6 على أن القانون هو أسمى تعبير عن إرادة الأمة، وأن الجميع، بما فيهم السلطات العمومية، ملزمون بالامتثال له. كما ضمن حق التقاضي لكل شخص للدفاع عن حقوقه ومصالحه وفق الفصل 118، مما يجعل القضاء مؤسسة أساسية لحماية الحقوق والحريات في مواجهة الإدارة.
وتزداد أهمية الرقابة القضائية على أعمال الإدارة في ظل توسع تدخل الدولة في المجالات الاقتصادية والاجتماعية، وتزايد القرارات الإدارية المرتبطة بالتعمير، والاستثمار، والوظيفة العمومية، والصفقات العمومية، مما يجعل احتمال نشوء المنازعات بين الإدارة والمواطنين أمرا متكررا. لذلك أصبح القضاء الإداري يلعب دورا متناميا في تحقيق التوازن بين امتيازات السلطة العامة وحقوق الأفراد، عبر فحص مدى مشروعية القرارات الإدارية وإبطالها أو ترتيب المسؤولية عنها عند الاقتضاء.
وقد عرف المغرب تطورا مؤسساتيا مهما في هذا المجال، خاصة بعد إحداث المحاكم الإدارية بموجب القانون رقم 41.90، الذي شكل محطة مفصلية في تاريخ القضاء المغربي، حيث تم الانتقال من نظام قضائي موحد إلى قضاء إداري متخصص، مكلف بالنظر في دعاوى الإلغاء والتعويض والنزاعات الإدارية المختلفة. كما ساهم الاجتهاد القضائي الصادر عن المجلس الأعلى سابقا ومحكمة النقض حاليا في تطوير قواعد الرقابة القضائية، وترسيخ مبادئ قانونية كضرورة تعليل القرار الإداري، واحترام حق الدفاع، ومنع الشطط في استعمال السلطة.
وبناء عليه، فإن الرقابة القضائية على أعمال الإدارة تطرح إشكالية مركزية تتمثل في مدى فعالية القضاء الإداري في حماية حقوق الأفراد وضمان خضوع الإدارة لمبدأ المشروعية، خاصة في ظل وجود بعض المجالات التي ما تزال تعرف قيودا على الرقابة القضائية، كأعمال السيادة أو السلطة التقديرية للإدارة.
ومن أجل معالجة هذه الإشكالية، يمكن طرح التساؤل التالي:
إلى أي حد تمكن الرقابة القضائية من ضمان مشروعية أعمال الإدارة وحماية حقوق الأفراد داخل النظام القانوني المغربي؟
وللإجابة عن هذا التساؤل، سنعتمد التصميم التالي:
-
المبحث الأول: الأسس القانونية للرقابة القضائية على أعمال الإدارة
-
المبحث الثاني: مظاهر الرقابة القضائية على أعمال الإدارة وحدودها
المبحث الأول: الأسس القانونية للرقابة القضائية على أعمال الإدارة
يشكل القضاء الإداري إحدى الركائز الأساسية لدولة القانون، باعتباره الضامن لاحترام الإدارة لمبدأ المشروعية، والمكلف بحماية حقوق الأفراد من أي تجاوز أو تعسف قد يصدر عن السلطة التنفيذية. فالإدارة، رغم كونها جهازا ضروريا لتحقيق المصلحة العامة وضمان سير المرافق العمومية، فإنها تتوفر على امتيازات استثنائية تجعلها قادرة على إصدار قرارات ملزمة للأفراد وتنفيذها بشكل مباشر، وهو ما قد يؤدي إلى المساس بحقوقهم إذا لم تكن هذه السلطة مقيدة برقابة فعالة.
ومن هنا تظهر أهمية الرقابة القضائية باعتبارها وسيلة قانونية تهدف إلى إخضاع أعمال الإدارة لمراقبة القضاء، قصد التأكد من مدى مطابقتها للقانون. وقد كرس الدستور المغربي لسنة 2011 هذا التوجه حين أكد في الفصل 6 على خضوع السلطات العمومية للقانون، كما ضمن في الفصل 118 حق التقاضي للجميع، مما يجعل الرقابة القضائية آلية دستورية قبل أن تكون مجرد تقنية قانونية.
كما أن إحداث المحاكم الإدارية بموجب القانون رقم 41.90 شكل تطورا مؤسساتيا مهما، حيث أصبح القضاء الإداري مختصا بالنظر في دعاوى الإلغاء والتعويض والنزاعات الإدارية المختلفة. وقد ساهم الاجتهاد القضائي الصادر عن محكمة النقض في ترسيخ مبادئ رقابية متقدمة، كضرورة تعليل القرارات الإدارية واحترام حقوق الدفاع ومنع الشطط في استعمال السلطة.
وبناء عليه، فإن هذا المبحث يهدف إلى إبراز الأسس القانونية والدستورية التي تقوم عليها الرقابة القضائية على أعمال الإدارة، وذلك من خلال دراسة مفهوم هذه الرقابة وأهميتها، ثم تتبع تطور القضاء الإداري المغربي كآلية مركزية لضمان المشروعية.
المطلب الأول: مفهوم الرقابة القضائية وأهميتها في دولة القانون
تعتبر الرقابة القضائية على أعمال الإدارة من أهم الآليات القانونية التي تضمن خضوع الإدارة لمبدأ المشروعية، وتمنع تحول السلطة التنفيذية إلى قوة مطلقة قد تمس بحقوق الأفراد وحرياتهم. فالإدارة العمومية، بحكم طبيعتها، تمارس اختصاصات واسعة ومتعددة، وتشرف على تدبير المرافق العامة، وتنفيذ السياسات العمومية، وضمان النظام العام. غير أن هذه المهام تجعلها في تماس مباشر مع المواطنين، وهو ما يؤدي إلى صدور قرارات إدارية تؤثر بشكل كبير على أوضاعهم القانونية والاجتماعية.
ويقوم مفهوم الرقابة القضائية على إخضاع تصرفات الإدارة وأعمالها لفحص القضاء، للتأكد من مدى مطابقتها للقانون. فالإدارة ليست حرة بشكل مطلق، بل مقيدة بقاعدة أساسية مفادها أنها لا تتصرف إلا في حدود القانون. ومن هنا فإن الرقابة القضائية تعد تجسيدا حقيقيا لفكرة دولة القانون التي تعني خضوع الجميع، بما فيهم السلطات العمومية، للقواعد القانونية.
وقد أكد دستور المملكة المغربية لسنة 2011 هذا المبدأ بشكل واضح، حيث نص الفصل 6 على أن:
"القانون هو أسمى تعبير عن إرادة الأمة، والجميع، أشخاصا ذاتيين أو اعتباريين، بما فيهم السلطات العمومية، متساوون أمامه، وملزمون بالامتثال له."
ويستفاد من هذا النص أن الإدارة لا يمكنها أن تتصرف خارج إطار القانون، وأن القضاء يشكل الضامن الأساسي لاحترام هذا الالتزام.
كما نص الفصل 118 من الدستور على أن:
"حق التقاضي مضمون لكل شخص للدفاع عن حقوقه وعن مصالحه التي يحميها القانون."
ويشكل هذا الفصل أساسا دستوريا صلبا للرقابة القضائية، لأنه يضمن للأفراد حق اللجوء إلى القضاء لمواجهة القرارات الإدارية غير المشروعة.
- أهمية الرقابة القضائية في حماية الحقوق والحريات
إن الرقابة القضائية تكتسي أهمية خاصة في حماية المواطنين من تعسف الإدارة، لأن القرارات الإدارية قد تمس بحقوق أساسية مثل الحق في الملكية أو الحق في الشغل أو الحق في ممارسة الأنشطة الاقتصادية.
وقد ساهم القضاء الإداري المغربي في تكريس هذه الحماية، حيث اعتبرت المحاكم الإدارية أن أي قرار إداري يمس بحقوق الأفراد دون احترام الضمانات القانونية يعد قرارا غير مشروع يستوجب الإلغاء.
- تكريس مبدأ المشروعية ومنع الشطط في استعمال السلطة
تتمثل الرقابة القضائية أيضا في منع الإدارة من الانحراف عن الغاية التي حددها القانون. فإذا أصدرت الإدارة قرارا لتحقيق أهداف شخصية أو سياسية بدل المصلحة العامة، فإن هذا القرار يعد مشوبا بعيب الانحراف في استعمال السلطة.
وقد استقر الاجتهاد القضائي المغربي على أن القاضي الإداري لا يراقب فقط الشكل الخارجي للقرار الإداري، بل يمتد دوره إلى فحص الغاية الحقيقية منه.
- تحقيق التوازن بين السلطة والحرية
تقوم الدولة الحديثة على التوازن بين متطلبات النظام العام وحقوق الأفراد. لذلك فإن الرقابة القضائية تعد الوسيلة الأساسية لتحقيق هذا التوازن، بحيث تمنح الإدارة سلطة التدخل، ولكن تحت رقابة القضاء لضمان عدم التعسف.
المطلب الثاني: تطور القضاء الإداري بالمغرب كآلية للرقابة
لم يكن القضاء الإداري بالمغرب دائما مستقلا ومؤسساتيا كما هو عليه اليوم، بل عرف تطورا تدريجيا ارتبط بتحولات الدولة المغربية وبالحاجة إلى توفير حماية قضائية فعالة ضد أعمال الإدارة.
المرحلة الأولى: القضاء الموحد قبل إحداث المحاكم الإدارية
قبل سنة 1993، لم يكن هناك جهاز قضائي متخصص للنظر في المنازعات الإدارية، وكانت هذه النزاعات تعرض على القضاء العادي أو على المجلس الأعلى (محكمة النقض حاليا) في إطار محدود.
غير أن هذا الوضع لم يكن كافيا، لأن القضاء العادي لم يكن دائما مهيأ للتعامل مع خصوصيات القانون الإداري وتعقيداته، مما دفع نحو إحداث قضاء إداري متخصص.
المرحلة الثانية: إحداث المحاكم الإدارية بموجب القانون رقم 41.90
شكل صدور القانون رقم 41.90 المتعلق بإحداث المحاكم الإدارية تحولا جوهريا في النظام القضائي المغربي، حيث تم إنشاء محاكم متخصصة للنظر في القضايا الإدارية.
وقد نصت المادة 8 من هذا القانون على اختصاص المحاكم الإدارية بالنظر في:
-
دعاوى إلغاء القرارات الإدارية بسبب تجاوز السلطة
-
النزاعات المتعلقة بالعقود الإدارية
-
دعاوى التعويض عن الأضرار الناتجة عن نشاط الإدارة
-
النزاعات الخاصة بالوظيفة العمومية
وبذلك أصبح للأفراد إطار قانوني واضح للطعن في أعمال الإدارة غير المشروعة.
المرحلة الثالثة: دور الاجتهاد القضائي في توسيع الرقابة
لم يقتصر تطور القضاء الإداري المغربي على النصوص القانونية فقط، بل لعب الاجتهاد القضائي دورا مركزيا في تعزيز الرقابة القضائية.
فقد كرست محكمة النقض عدة مبادئ مهمة، من بينها:
-
ضرورة تعليل القرار الإداري
-
احترام حق الدفاع قبل اتخاذ أي قرار تأديبي
-
إمكانية الطعن في القرارات الإدارية السلبية
وقد جاء في أحد قرارات المجلس الأعلى أن:
"القرار الإداري غير المعلل يعد مشوبا بعيب الشكل ويستوجب الإلغاء."
كما اعتبرت محكمة النقض أن:
"امتناع الإدارة عن الرد على طلب مشروع يعد قرارا سلبيا قابلا للطعن بالإلغاء."
المرحلة الرابعة: الرقابة القضائية بعد دستور 2011
زاد دستور 2011 من قوة القضاء الإداري، حيث نص الفصل 107 على استقلال السلطة القضائية، وأكد الفصل 117 أن القاضي مكلف بحماية حقوق الأشخاص والجماعات.
وبذلك أصبحت الرقابة القضائية على الإدارة جزءا من البناء الدستوري الجديد الذي يقوم على الحكامة وربط المسؤولية بالمحاسبة.
المبحث الثاني: مظاهر الرقابة القضائية على أعمال الإدارة وحدودها
إذا كانت الرقابة القضائية على أعمال الإدارة تشكل ضمانة أساسية لحماية الحقوق والحريات، فإن تجلياتها العملية تظهر بشكل واضح من خلال الوسائل القضائية التي خولها القانون للمتقاضين للطعن في القرارات الإدارية غير المشروعة. وتأتي في مقدمة هذه الوسائل دعوى الإلغاء بسبب تجاوز السلطة، التي تعد من أقوى الآليات القانونية لمواجهة تعسف الإدارة، حيث تمكن القاضي الإداري من فحص القرار الإداري من حيث الاختصاص والشكل والسبب والمحل والغاية.
كما تمتد الرقابة القضائية أيضا إلى دعاوى التعويض عن الأضرار الناتجة عن نشاط الإدارة، وإلى مراقبة العقود الإدارية والنزاعات المتعلقة بالوظيفة العمومية. وقد ساهم القضاء الإداري المغربي، من خلال اجتهاداته المتراكمة، في تطوير مضمون هذه الرقابة وإعطائها بعدا حمائيا متقدما.
غير أن هذه الرقابة، رغم أهميتها، ليست مطلقة، إذ تواجه عدة حدود تفرضها طبيعة العمل الإداري ذاته، ومن أبرزها استثناء أعمال السيادة من الرقابة القضائية، واحترام مبدأ فصل السلط، إضافة إلى السلطة التقديرية التي تتمتع بها الإدارة في بعض المجالات، مما يجعل القاضي الإداري يكتفي برقابة المشروعية دون أن يتدخل في ملاءمة القرار.
وبالتالي، فإن هذا المبحث يركز على إبراز مظاهر الرقابة القضائية على أعمال الإدارة من خلال أهم الدعاوى الإدارية، مع تحليل حدود هذه الرقابة والإشكالات التي تطرحها في الواقع العملي، خاصة في ظل التوازن المطلوب بين حماية الحقوق وضمان فعالية الإدارة في تحقيق المصلحة العامة.
المطلب الأول: دعوى الإلغاء بسبب تجاوز السلطة كوسيلة أساسية للرقابة القضائية
تعد دعوى الإلغاء بسبب تجاوز السلطة من أهم وأبرز الوسائل القضائية التي تمكن الأفراد من مواجهة تعسف الإدارة والطعن في قراراتها غير المشروعة. فهي تشكل الأداة الأساسية التي يمارس من خلالها القضاء الإداري رقابته على أعمال الإدارة، وتعد في جوهرها دعوى تهدف إلى حماية مبدأ المشروعية قبل أن تكون مجرد وسيلة لحماية مصلحة فردية.
فالإدارة، باعتبارها سلطة عامة، تصدر قرارات إدارية ملزمة للأفراد بشكل انفرادي، دون الحاجة إلى موافقتهم. غير أن هذه القرارات قد تكون مشوبة بعيوب قانونية تجعلها مخالفة للقانون، وهو ما يفتح المجال أمام المتضرر للطعن فيها عن طريق دعوى الإلغاء.
وقد منح المشرع المغربي هذا الاختصاص للقضاء الإداري بموجب القانون رقم 41.90، حيث نصت المادة 8 منه على أن المحاكم الإدارية تختص بالنظر في:
"طلبات إلغاء القرارات الصادرة عن السلطات الإدارية بسبب تجاوز السلطة."
وتتميز دعوى الإلغاء بكونها دعوى عينية، أي أنها توجه ضد القرار الإداري ذاته وليس ضد شخص الإدارة، والغاية منها هي إعدام القرار غير المشروع وإخراجه من النظام القانوني.
أولا: مفهوم تجاوز السلطة
يقصد بتجاوز السلطة كل خروج من الإدارة عن الحدود القانونية التي رسمها لها المشرع، سواء من خلال إصدار قرار دون سند قانوني، أو مخالفة الإجراءات الشكلية، أو الانحراف عن الغاية المقررة قانونا.
وقد استقر القضاء الإداري المغربي على أن تجاوز السلطة يتحقق متى ثبت أن الإدارة لم تحترم أحد عناصر المشروعية.
ثانيا: أوجه الرقابة القضائية على القرار الإداري
يمارس القاضي الإداري رقابته على القرار الإداري عبر فحص مشروعيته من خلال خمسة أوجه أساسية:
1. عيب الاختصاص
يتحقق هذا العيب إذا صدر القرار عن جهة غير مختصة قانونا.
وقد أكدت محكمة النقض أن:
"القرار الصادر عن سلطة غير مختصة يعد مشوبا بعيب الاختصاص ويستوجب الإلغاء."
2. عيب الشكل والإجراءات
يتعلق بعدم احترام الإدارة للإجراءات القانونية المفروضة قبل إصدار القرار، كعدم التعليل أو عدم الاستشارة.
وقد جاء في اجتهاد قضائي أن:
"عدم احترام الإجراءات الجوهرية يجعل القرار الإداري غير مشروع."
3. عيب السبب
يقصد به أن القرار الإداري يجب أن يقوم على وقائع صحيحة ومشروعة.
فإذا بنت الإدارة قرارها على وقائع غير صحيحة أو غير ثابتة، فإن القاضي الإداري يتدخل لإلغائه.
4. عيب المحل
ويقصد به مضمون القرار، فإذا كان مخالفا للقانون أو مستحيلا أو غير جائز، اعتبر القرار غير مشروع.
5. عيب الانحراف في استعمال السلطة
وهو من أخطر العيوب، ويتحقق عندما تستعمل الإدارة سلطتها لتحقيق غايات غير مشروعة أو شخصية بدل المصلحة العامة.
وقد اعتبر المجلس الأعلى سابقا أن:
"الانحراف في استعمال السلطة سبب مستقل لإلغاء القرار الإداري."
ثالثا: أهمية دعوى الإلغاء في حماية الأفراد
تمكن دعوى الإلغاء من ضمان حماية الحقوق والحريات الأساسية، وتساهم في ردع الإدارة عن التعسف، كما تعزز الثقة في القضاء الإداري كحارس لمبدأ المشروعية.
المطلب الثاني: حدود الرقابة القضائية على أعمال الإدارة
رغم الدور الكبير الذي يلعبه القضاء الإداري في مراقبة أعمال الإدارة، فإن هذه الرقابة ليست مطلقة، بل تواجه مجموعة من الحدود التي تفرضها طبيعة العمل الإداري ومبدأ فصل السلط.
أولا: استثناء أعمال السيادة من الرقابة القضائية
من أبرز القيود المفروضة على الرقابة القضائية استثناء ما يسمى بأعمال السيادة، وهي الأعمال التي ترتبط بالمجال السياسي أو بالعلاقات الخارجية أو بالأمن القومي للدولة.
وقد درج القضاء المغربي على اعتبار بعض الأعمال غير قابلة للطعن القضائي لأنها تدخل ضمن اختصاص السلطة السياسية العليا.
غير أن هذا الاستثناء يظل محل نقاش فقهي واسع، لأنه قد يفتح المجال أمام الإدارة للتهرب من الرقابة.
ثانيا: احترام مبدأ فصل السلط
يحرص القاضي الإداري على عدم التدخل في اختصاصات الإدارة، تطبيقا لمبدأ فصل السلط.
فالقاضي لا يحل محل الإدارة في اتخاذ القرارات، بل يراقب فقط مدى مشروعيتها.
وبالتالي فإن رقابة القضاء الإداري هي رقابة مشروعية وليست رقابة ملاءمة.
ثالثا: السلطة التقديرية للإدارة
تتمتع الإدارة في بعض المجالات بسلطة تقديرية واسعة، خاصة في القضايا المرتبطة بالنظام العام أو التدبير الإداري.
وفي هذه الحالات، يقتصر دور القاضي على التأكد من عدم وجود شطط أو انحراف، دون التدخل في تقدير الإدارة لملاءمة القرار.
وقد أكدت محكمة النقض أن:
"القاضي الإداري لا يراقب ملاءمة القرار الإداري، وإنما يراقب فقط مدى مطابقته للقانون."
رابعا: صعوبات تنفيذ الأحكام القضائية ضد الإدارة
رغم صدور أحكام بالإلغاء أو التعويض، قد تواجه عملية تنفيذها عراقيل عملية بسبب بطء الإدارة أو امتناعها عن التنفيذ.
وهذا ما يطرح إشكالية فعالية الرقابة القضائية في الواقع العملي.
وقد حاول المشرع تجاوز هذه الصعوبات عبر إقرار مسؤولية الإدارة عن الامتناع عن التنفيذ.
خاتمة
ختاما، يمكن القول إن الرقابة القضائية على أعمال الإدارة تشكل إحدى الركائز الجوهرية التي تقوم عليها دولة القانون، باعتبارها الآلية الأساسية لضمان خضوع الإدارة العمومية لمبدأ المشروعية، ومنع تحول امتيازاتها القانونية إلى وسيلة للتعسف أو المساس بحقوق الأفراد وحرياتهم. فالإدارة، رغم كونها جهازا ضروريا لتحقيق المصلحة العامة وضمان السير العادي للمرافق العمومية، تبقى ملزمة بالتصرف داخل الإطار القانوني والدستوري الذي يحدد اختصاصاتها ويقيد سلطتها.
وقد أبرزت هذه الدراسة أن الرقابة القضائية ليست مجرد إجراء شكلي للطعن في القرارات الإدارية، بل هي تجسيد فعلي لمفهوم سيادة القانون، الذي يفرض أن تكون جميع تصرفات الإدارة قابلة للفحص القضائي متى تعارضت مع القواعد القانونية. وقد كرس الدستور المغربي لسنة 2011 هذا التوجه حين أكد في الفصل 6 على خضوع السلطات العمومية للقانون، كما ضمن في الفصل 118 حق التقاضي للجميع، مما يجعل القضاء مؤسسة دستورية لحماية الحقوق والحريات.
كما تبين أن إحداث المحاكم الإدارية بموجب القانون رقم 41.90 شكل نقطة تحول أساسية في مسار القضاء المغربي، إذ تم الانتقال إلى قضاء إداري متخصص يتولى النظر في دعاوى الإلغاء والتعويض ومختلف المنازعات الإدارية. وقد ساهم الاجتهاد القضائي الصادر عن محكمة النقض والمجلس الأعلى سابقا في ترسيخ قواعد رقابية متقدمة، مثل ضرورة تعليل القرارات الإدارية واحترام حق الدفاع ومنع الشطط في استعمال السلطة.
ومن جهة أخرى، فإن دعوى الإلغاء بسبب تجاوز السلطة تظل الوسيلة الأبرز لممارسة الرقابة القضائية، لأنها تمكن القاضي الإداري من إعدام القرارات غير المشروعة وإخراجها من النظام القانوني، مما يعزز الأمن القانوني ويحمي المواطن من تعسف الإدارة. غير أن فعالية هذه الرقابة تبقى نسبية، بالنظر إلى الحدود التي تواجهها، سواء من خلال استثناء أعمال السيادة من الطعن القضائي، أو بسبب احترام مبدأ فصل السلط، أو نتيجة السلطة التقديرية الواسعة التي تتمتع بها الإدارة في بعض المجالات.
وعليه، فإن الرقابة القضائية على أعمال الإدارة، رغم ما حققته من تطور كبير داخل النظام القانوني المغربي، ما تزال في حاجة إلى مزيد من التعزيز والتحديث، عبر توسيع نطاق الرقابة، وتجاوز بعض القيود التقليدية، وضمان التنفيذ الفعلي للأحكام القضائية الصادرة ضد الإدارة. كما أن تكريس ثقافة احترام المشروعية داخل الإدارة العمومية، وربط المسؤولية بالمحاسبة، يشكلان شرطا ضروريا لتعزيز الثقة بين المواطن والمؤسسات، وتحقيق الحكامة الجيدة التي دعا إليها دستور 2011.
وبذلك، تظل الرقابة القضائية على أعمال الإدارة أداة أساسية لتحقيق التوازن بين امتيازات السلطة العامة وضمانات الأفراد، ووسيلة مركزية لترسيخ دولة الحق والقانون، التي لا تقوم فقط على وجود النصوص القانونية، بل على تفعيلها من خلال قضاء مستقل وفعال قادر على حماية الحقوق وضمان مشروعية العمل الإداري.
