القانون هو أسمى تعبير عن إرادة الأمة. Test link

الذكاء الاصطناعي في الإدارة العمومية المغربية: الإطار القانوني، التحديات الدستورية، وآفاق التنظيم

 


سليمة الفحصي: باحثة في قانون العام و علوم الادارية

الذكاء الاصطناعي في الإدارة العمومية المغربية: الإطار القانوني، التحديات الدستورية، وآفاق التنظيم

المقدمة

افرزت الثورة الرقمية تحولات عميقة مست مختلف مناحي الحياة، وكان من أبرز تجلياتها التطور المتسارع لتقنيات الذكاء الاصطناعي، التي لم يعد استعمالها مقتصرا على المجالات التقنية أو الاقتصادية، بل امتد ليشمل الإدارة العمومية باعتبارها الأداة الأساسية لتنفيذ السياسات العمومية وتقديم الخدمات للمواطنين. وقد أصبح اعتماد الذكاء الاصطناعي في الإدارة العمومية توجها عالميا يهدف إلى تحسين جودة الخدمات، تبسيط المساطر، وتسريع اتخاذ القرار الإداري.

وفي المغرب، يندرج هذا التحول في إطار التوجه نحو رقمنة الإدارة وتحديث المرافق العمومية، انسجاما مع المقتضيات الدستورية التي تؤكد على الحكامة الجيدة، وربط المسؤولية بالمحاسبة، وتحسين علاقة الإدارة بالمرتفقين. غير أن إدماج الذكاء الاصطناعي في العمل الإداري يثير إشكالات قانونية ودستورية دقيقة، خاصة ما يتعلق بحماية الحقوق والحريات، وضمان المشروعية، وتحديد المسؤولية الإدارية عن القرارات المتخذة بواسطة الأنظمة الذكية.

إن إدماج الذكاء الاصطناعي في عمل الإدارة العمومية لا يطرح مجرد مسألة تقنية مرتبطة بتطوير الوسائل الرقمية، بل يثير إشكالات قانونية ودستورية عميقة تتعلق بطبيعة القرار الإداري، وحدود السلطة التقديرية للإدارة، وضمان حقوق المرتفقين في مواجهة قرارات قد تصدر بناء على أنظمة ذكية. لذلك، فإن دراسة هذا الموضوع تقتضي اعتماد مقاربة تحليلية مزدوجة، تنطلق من تحديد الإطار الدستوري والقانوني المؤطر لاستخدام الذكاء الاصطناعي، قبل الانتقال إلى بحث التحديات التي يطرحها هذا الاستخدام وآفاق تنظيمه مستقبلا.

وانطلاقا من ذلك، يهدف هذا الموضوع إلى دراسة الإطار القانوني لاستخدام الذكاء الاصطناعي في الإدارة العمومية المغربية، مع تسليط الضوء على التحديات الدستورية والقانونية التي يطرحها، واستشراف آفاق تنظيمه مستقبلا.

وانسجاما مع هذه الإشكالية، سيتم تناول الموضوع من خلال مبحثين، يخصص الأول للإطار القانوني والدستوري المنظم لاستخدام الذكاء الاصطناعي في الإدارة العمومية، بينما يعالج المبحث الثاني التحديات المرتبطة بهذا الاستخدام وآفاق تنظيمه.

المبحث الأول: الإطار القانوني والدستوري لاستخدام الذكاء الاصطناعي في الإدارة العمومية

يعد الإطار القانوني والدستوري المرجعية الأساسية التي تضبط عمل الإدارة العمومية وتحدد حدود تدخلها في مختلف المجالات. ولا يمكن تصور إدماج الذكاء الاصطناعي في العمل الإداري بمعزل عن المبادئ الدستورية التي تحكم علاقة الإدارة بالمرتفقين، وفي مقدمتها مبدأ المشروعية، والمساواة، والشفافية، وربط المسؤولية بالمحاسبة.

ويكتسي هذا المبحث أهمية خاصة، لكونه يسعى إلى إبراز الأسس الدستورية التي تشرعن رقمنة الإدارة واعتماد الذكاء الاصطناعي، مع الوقوف عند الإطار القانوني المتعلق بحماية المعطيات الشخصية وتحديد المسؤولية الإدارية. ذلك أن أي خلل في احترام هذه الضوابط قد يؤدي إلى المساس بحقوق الأفراد، ويقوض الثقة في الإدارة العمومية، مهما بلغت درجة تطور الوسائل التقنية المعتمدة.

المطلب الأول: الأساس الدستوري لرقمنة الإدارة وحماية الحقوق

يشكل دستور المملكة المغربية لسنة 2011 المرجعية الأساسية التي تؤطر عمل الإدارة العمومية، حيث كرس مجموعة من المبادئ التي تشكل أساسا قانونيا لاعتماد الرقمنة والذكاء الاصطناعي في العمل الإداري. فقد نص الفصل 154 من الدستور على أن المرافق العمومية تخضع لمعايير الجودة والشفافية والمحاسبة، كما أكد الفصل 155 على ضرورة خضوع المرافق العمومية لمبادئ الحكامة الجيدة.

كما كرس الدستور حقوقا أساسية يجب احترامها عند اعتماد الأنظمة الذكية داخل الإدارة، من بينها الحق في حماية الحياة الخاصة، والحق في المساواة، وعدم التمييز، والحق في الطعن في القرارات الإدارية. ويقتضي ذلك أن يتم استخدام الذكاء الاصطناعي بشكل يضمن احترام هذه الحقوق، وألا يؤدي إلى المساس بضمانات المرتفقين أو إلى اتخاذ قرارات آلية تفتقر إلى الشفافية والتعليل.

وبذلك، فإن الأساس الدستوري لرقمنة الإدارة لا يمنح للإدارة سلطة مطلقة في استخدام الذكاء الاصطناعي، بل يفرض عليها التقيد بالمبادئ الدستورية، وضمان خضوع القرارات المتخذة بواسطة الأنظمة الذكية للرقابة القانونية والقضائية.

المطلب الثاني: الإطار القانوني لحماية المعطيات الشخصية والمسؤولية الإدارية

يرتبط استخدام الذكاء الاصطناعي في الإدارة العمومية ارتباطا وثيقا بمعالجة كم هائل من المعطيات الشخصية، مما يثير إشكالية حماية هذه المعطيات من الاستعمال غير المشروع أو التعسفي. ويعد القانون رقم 09.08 المتعلق بحماية الأشخاص الذاتيين تجاه معالجة المعطيات ذات الطابع الشخصي الإطار القانوني الأساسي في هذا المجال، حيث يفرض على الإدارات العمومية احترام مبادئ الشرعية، والشفافية، والتناسب عند معالجة المعطيات.

كما يطرح الذكاء الاصطناعي إشكالية تحديد المسؤولية الإدارية، خاصة في الحالات التي يتم فيها اتخاذ قرار إداري بناء على نظام ذكي أو خوارزمية. فهل تتحمل الإدارة المسؤولية الكاملة عن القرار؟ أم يتم توزيع المسؤولية بين الإدارة ومطوري الأنظمة الذكية؟ ويظل هذا الإشكال مطروحا في ظل غياب نصوص قانونية خاصة تنظم المسؤولية الناتجة عن استعمال الذكاء الاصطناعي في المجال الإداري.

إذا كان المبحث الأول قد أبرز الإطار الدستوري والقانوني الذي يؤطر استخدام الذكاء الاصطناعي في الإدارة العمومية، فإن هذا الإطار يظل غير كاف لفهم جميع أبعاد هذا التحول الرقمي، ما لم يتم التطرق إلى التحديات العملية والرهانات الحقوقية التي يطرحها. فالتنظيم القانوني، مهما كان متقدما، يظل رهينا بمدى قدرته على مواجهة المخاطر المحتملة وضمان حماية فعالة للحقوق والحريات. وهو ما يستدعي الانتقال إلى دراسة التحديات القانونية المرتبطة باستخدام الذكاء الاصطناعي، واستشراف آفاق تنظيمه مستقبلا.

المبحث الثاني: تحديات استخدام الذكاء الاصطناعي في الإدارة العمومية وآفاق تنظيمه

يفرض اعتماد الذكاء الاصطناعي في الإدارة العمومية إعادة التفكير في عدد من المفاهيم التقليدية التي يقوم عليها القانون الإداري، من قبيل القرار الإداري، والسلطة التقديرية، والمسؤولية الإدارية. كما يثير هذا التحول الرقمي مخاوف مشروعة تتعلق بإمكانية المساس بالحقوق والحريات الأساسية، خاصة في ظل الاعتماد المتزايد على الخوارزميات في تحليل المعطيات واتخاذ القرارات.

ويهدف هذا المبحث إلى تسليط الضوء على أبرز التحديات التي يطرحها استخدام الذكاء الاصطناعي في العمل الإداري، مع التركيز على مخاطر غياب الشفافية والتمييز الخوارزمي، ثم استشراف آفاق إرساء إطار قانوني وطني يضمن استعمالا مسؤولا ومتوازنا لهذه التقنيات، يحقق النجاعة الإدارية دون الإخلال بمبادئ دولة القانون.

المطلب الأول: مخاطر المساس بالحقوق والحريات وضمانات المشروعية

يثير استخدام الذكاء الاصطناعي في الإدارة العمومية مجموعة من المخاطر، من أبرزها احتمال المساس بمبدأ المساواة، نتيجة اعتماد خوارزميات قد تنتج قرارات تمييزية، أو تفتقر إلى الحياد والموضوعية. كما يطرح إشكال غياب الشفافية، حيث يصعب في بعض الأحيان فهم كيفية اشتغال الأنظمة الذكية، وهو ما يتعارض مع مبدأ تعليل القرارات الإدارية.

ولمواجهة هذه المخاطر، يتعين إقرار مجموعة من الضمانات القانونية، من بينها الإبقاء على العنصر البشري في اتخاذ القرار الإداري، وضمان حق المرتفق في معرفة الأسس التي بني عليها القرار، وتمكينه من الطعن فيه أمام القضاء الإداري.

المطلب الثاني: آفاق إرساء إطار قانوني وطني لتنظيم الذكاء الاصطناعي الإداري

تفرض التحديات السابقة ضرورة التفكير في إرساء إطار قانوني وطني خاص ينظم استخدام الذكاء الاصطناعي في الإدارة العمومية المغربية. وينبغي أن يحدد هذا الإطار شروط اعتماد الأنظمة الذكية، وضمانات حماية الحقوق، وقواعد المسؤولية والمراقبة.

كما يتعين تعزيز دور القضاء الإداري في مراقبة مشروعية القرارات الإدارية المعتمدة على الذكاء الاصطناعي، وتطوير التكوين القانوني والتقني لموظفي الإدارة، بما يضمن استعمالا رشيدا ومسؤولا لهذه التقنيات الحديثة.

الخاتمة

يبرز من خلال ما سبق أن إدماج الذكاء الاصطناعي في عمل الإدارة العمومية المغربية لم يعد مجرد خيار تقني أو توجه ظرفي، بل أضحى مسارا استراتيجيا تفرضه التحولات الرقمية المتسارعة ومتطلبات تحديث المرافق العمومية وتحسين جودة الخدمات المقدمة للمرتفقين. غير أن هذا التحول، رغم ما يحمله من فرص واعدة لتعزيز النجاعة والشفافية وتبسيط المساطر الإدارية، يطرح في المقابل إشكالات قانونية ودستورية دقيقة تمس جوهر العلاقة بين الإدارة والمواطن، وتستدعي إعادة النظر في عدد من المفاهيم التقليدية التي يقوم عليها القانون الإداري.

فمن جهة أولى، يفرض اعتماد الذكاء الاصطناعي على الإدارة العمومية احترام الإطار الدستوري المؤطر للعمل الإداري، وفي مقدمتها مبدأ المشروعية، وربط المسؤولية بالمحاسبة، وضمان المساواة وعدم التمييز بين المرتفقين. كما يستوجب هذا الاعتماد مراعاة الحقوق والحريات الأساسية، وعلى رأسها الحق في حماية الحياة الخاصة والمعطيات الشخصية، والحق في الطعن في القرارات الإدارية، وهو ما يفرض عدم إقصاء العنصر البشري بشكل كلي من مسار اتخاذ القرار الإداري.

ومن جهة ثانية، يكشف الواقع العملي عن محدودية الإطار القانوني الحالي في مواكبة التطورات التي يفرضها الذكاء الاصطناعي، خاصة فيما يتعلق بتحديد المسؤولية الإدارية عن القرارات الصادرة بناء على أنظمة ذكية، وضمان شفافية الخوارزميات، وإمكانية مراقبتها قضائيا. فغياب نصوص قانونية خاصة تنظم استخدام الذكاء الاصطناعي في الإدارة العمومية قد يؤدي إلى فراغ تشريعي، من شأنه أن يفتح المجال أمام ممارسات تمس بثقة المواطنين في الإدارة، وتفرغ مبدأ المشروعية من محتواه.

كما يفرض هذا التحول الرقمي التفكير في دور القضاء الإداري كضامن أساسي للحقوق والحريات، من خلال تمكينه من آليات قانونية وتقنية تتيح له مراقبة مشروعية القرارات الإدارية المعتمدة على الذكاء الاصطناعي، والتأكد من احترامها لمبدأ التعليل وعدم الانحراف في استعمال السلطة. وهو ما يستدعي تطوير الاجتهاد القضائي، وتعزيز التكوين المتخصص للقضاة والفاعلين الإداريين في المجال الرقمي.

وفي هذا السياق، يبرز الدور المحوري للمشرع المغربي في إرساء إطار قانوني وطني متكامل ينظم استخدام الذكاء الاصطناعي في الإدارة العمومية، يحدد شروط اعتماده، وضمانات حماية الحقوق، وقواعد المسؤولية والمراقبة، مع استلهام التجارب المقارنة دون المساس بالخصوصية الدستورية والمؤسساتية للمملكة. كما يتعين أن يقوم هذا الإطار على مقاربة تشاركية، تشرك مختلف الفاعلين، من إدارة وقضاء وخبراء قانونيين وتقنيين، بما يضمن استعمالا رشيدا ومسؤولا لهذه التقنيات.

وخلاصة القول، فإن مستقبل الذكاء الاصطناعي في الإدارة العمومية المغربية يظل رهينا بمدى القدرة على تحقيق التوازن بين متطلبات النجاعة الإدارية وحماية الحقوق والحريات، وبين التطور التكنولوجي وضمان سيادة القانون. وإذا ما تم استثمار هذا التحول في إطار قانوني واضح ومضبوط، فإن الذكاء الاصطناعي يمكن أن يشكل رافعة حقيقية لتحديث الإدارة وتعزيز الثقة في المرفق العمومي، بما يخدم أهداف دولة القانون والتنمية المستدامة

إرسال تعليق

NextGen Digital Welcome to WhatsApp chat
Howdy! How can we help you today?
Type here...