شرح مسطرة التبليغ في القانون المغربي على ضوء الاجتهاد القضائي
أولا: أهمية التبليغ في المسطرة القضائية
يعد التبليغ من الإجراءات الجوهرية في الدعوى القضائية، إذ يهدف إلى إشعار الخصم بالإجراءات المتخذة ضده، وتمكينه من ممارسة حق الدفاع طبقا لمبدأ الوجاهية.
وأي إخلال بقواعد التبليغ يترتب عنه بطلان المسطرة أو عدم ترتيب آثارها القانونية.
وقد استقر الاجتهاد القضائي على أن:
"التبليغ الصحيح هو الأساس الذي تبنى عليه جميع الإجراءات اللاحقة، ولا يمكن ترتيب أي أثر قانوني على تبليغ معيب."
ثانيا: الإطار القانوني لمسطرة التبليغ
نظم المشرع المغربي مسطرة التبليغ ضمن:
-
قانون المسطرة المدنية
-
النصوص المنظمة لمهام المفوضين القضائيين
ويخضع التبليغ لشكليات دقيقة، من حيث:
-
الجهة المكلفة به
-
مكان التبليغ
-
كيفية إثباته
ثالثا: التبليغ الشخصي في ضوء الاجتهاد القضائي
الأصل أن يتم التبليغ شخصيا للمعني بالأمر.
وقد قضت محكمة النقض بما يلي:
"التبليغ الشخصي هو الأصل، ولا يصار إلى التبليغ في الموطن إلا عند تعذر التبليغ الشخصي."
ويشترط في هذا النوع من التبليغ:
-
تسليم الوثيقة للمعني بالأمر
-
إثبات اسمه وتوقيعه
-
تحديد تاريخ التوصل
وأي غموض في هوية المتوصل يؤدي إلى بطلان التبليغ.
رابعا: التبليغ في الموطن واجتهاد محكمة النقض
عند تعذر التبليغ الشخصي، يسمح القانون بالتبليغ في الموطن، شريطة:
-
تسليم الوثيقة لشخص يقيم فعليا بالعنوان
-
التنصيص على اسمه وصفته وعلاقته بالمعني بالأمر
وقد جاء في قرار لمحكمة النقض:
"إن التبليغ في الموطن لا يكون صحيحا إلا إذا تم لشخص له علاقة فعلية بالمعني بالأمر، مع بيان صفته بشكل صريح في محضر التبليغ."
وبالتالي، فإن الاكتفاء بعبارة عامة مثل "تم التسليم" دون تحديد هوية المتسلم وصفته، يجعل التبليغ غير منتج لآثاره القانونية.
خامسا: التبليغ بملاحظة رفض التوصل
في حالة رفض المعني بالأمر تسلم التبليغ، يتعين على المفوض القضائي:
-
إثبات واقعة الرفض
-
ذكر اسم الرافض وصفته
-
تحديد مكان وتاريخ الرفض
وقد استقر قضاء محكمة النقض على أن:
"التنصيص فقط على عبارة رفض التوصل دون بيان هوية الرافض وصفته يجعل التبليغ باطلا."
ويعتبر هذا التوجه القضائي حماية لحق الدفاع، ومنعا لأي تعسف في استعمال مسطرة التبليغ.
سادسا: التبليغ بالبريد المضمون واجتهاد القضاء
يقبل القضاء التبليغ بواسطة البريد المضمون مع الإشعار بالتوصل في بعض الحالات، شريطة:
-
ثبوت توصل المعني بالأمر شخصيا
-
أو وجود توقيع يمكن نسبته إليه
وقد قضت محكمة النقض:
"عدم الإدلاء بالإشعار بالتوصل الموقع يجعل التبليغ غير ثابت قانونا."
سابعا: آثار التبليغ المعيب في الاجتهاد القضائي
يترتب عن التبليغ غير الصحيح:
-
بطلان الحكم الصادر بناء عليه
-
عدم سريان آجال الطعن
-
إيقاف إجراءات التنفيذ
وقد جاء في أحد قرارات محكمة النقض:
"لا يبدأ احتساب أجل الطعن إلا من تاريخ تبليغ الحكم تبليغا قانونيا صحيحا."
ثامنا: سلطة المحكمة في مراقبة التبليغ
للمحكمة سلطة:
-
التحقق من صحة التبليغ تلقائيا
-
إثارة بطلانه إذا تعلق بالنظام العام
وأكدت محكمة النقض أن:
"سلامة التبليغ من النظام العام، وتراقبه المحكمة ولو لم يثره الأطراف."
خلاصة
من خلال الاجتهاد القضائي، يتضح أن مسطرة التبليغ:
-
ليست إجراء شكليا بسيطا
-
بل ضمانة أساسية لحقوق المتقاضين
-
وأي إخلال بها يؤدي إلى بطلان المسطرة وما يترتب عنها
ولهذا يولي القضاء المغربي أهمية قصوى لدقة محاضر التبليغ واحترام الشكليات القانونية.
